اخصائي نفسيالأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الطيبة والوحش “رواية نفسية متسلسلة”

الطيبة والوحش
رواية نفسية متسلسلة
بقلم / سهير محمود عيد
الفصل الأول: بداية العاصفة
لم يكن يومه كباقي الأيام، ولم يكن هادئًا.
فتح الباب بعنف قبل حتى أن تكتمل صرختي الصغيرة:
– «فين المفتاح؟ ليه مش على الطاولة؟»
ابتسمت بحذر، محاولة التهدئة: «نسيت تحطه هنا أمس…»
لكن الابتسامة لم تكن كافية، وغضبه انفجر فجأة:
– «أنتي دايمًا كل شيء غلط! ليه دايمًا كل حاجة فوضى؟! كل حاجة في البيت غير صح!»
كل حركة صغيرة مني كانت كافية لإشعال النار. كل كلمة، كل همسة، كل نظرة… تتحول إلى تهديد أو صراخ.
كان الرجل الذي أمامي يعيش لغضبه، يبحث عن أي سبب، أي خطأ، ولو لم يكن موجودًا.
الأولاد، جلوسهم في الغرفة المجاورة، يسمعون صوته يملأ البيت.
أبطال رياضة، متفوقون دراسيًا، لكن في نظره، كل إنجازاتهم بلا قيمة.
– «ليه مش جبتوا المركز الأول؟»
– «ليه مش أعلى من كذا؟»
حتى أكبر نجاحاتهم لا ترضي عينيه.
جلست أحاول حماية نفسي وقلبي ينهار مع كل كلمة، كل صراخ، كل اتهام، لكن شعرت أيضًا بوجع أولادي.
كل مرة يصرخ فيها، يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، يزرع الشك فيهم، يجعلهم يشعرون بأن كل نجاحاتهم لا قيمة لها، وأنهم لا يستحقون رضا والدهما.
في المطبخ، حاولت أن أهدئ الوضع أثناء تحضير الإفطار:
– «أنا أعمل القهوة دلوقتي…»
– «ليه الكوب هنا؟ ليه مش في مكانه؟»
– «كلام فاضي! كل شيء غلط!»
حتى أصوات طبيعية مثل الهاتف أو الرياح أو ضحكاتهم الصغيرة، كانت كافية لإثارة غضبه.
كنت أعيش في حالة تأهب مستمرة، كل حركة محسوبة، كل كلمة موزونة، كل نفس محسوب… خوفًا من شرارة قد تشتعل في أي لحظة.
في فترة بعد الظهر، جلسنا لتناول الغداء، والجو مكهرب كما هو دائمًا:
– «ليه الأكل سخن؟»
– «ليه الكرسي مش في مكانه؟»
– «ليه الباب اتساب مفتوح؟»
حاولت أن أشرح أو أعتذر، لكنه لم يسمع:
– «ما حدش مهتم بكلامك!»
ويجلس بعد ذلك في صمت، لكن عينيه تقولان: أنا مستعد للانفجار مرة أخرى في أي لحظة.
جلست مع الأولاد بعد المدرسة، أحاول طمأنتهم: «أنتم أبطال، رائعون»، لكن أعينهم كانت حزينة، محبطة، لأنهم يعرفون الحقيقة: رضا والدهما شيء بعيد المنال.
كنت أشعر بالعجز، أن أكون الحائط الذي يحميهم من هجومه النفسي، بينما قلبي ينهار… وروحي تتآكل.
في المساء، بعد أن هدأ قليلًا، حاولت تنظيم البيت، كل شيء محسوب بدقة، لكن حتى أصغر التفاصيل كانت تتحول إلى سبب آخر لغضبه لاحقًا.
كنت أراقبه من بعيد، كل حركة منه كانت تهدد، كل كلمة منه تزرع الخوف، كل نظرة منه تشعرني بالذنب.
جلست في غرفتي قبل النوم، أحاول أن أجد لحظة من السلام، لحظة أستجمع فيها قواي، لكن كل شيء يذكرني بغضبه، بشكوكه، باتهاماته المستمرة.
كنت أفكر: هل يمكن للطيبة أن تصمد أمام شخص يعيش لغضبه كل يوم؟
هل يمكن للحب أن يحمي الأطفال من الغضب المستمر؟
هل يمكن لقلبي أن يظل ينبض وسط هذا الإرهاب النفسي اليومي؟
قبل أن أغفو، سألت نفسي سؤالاً مؤلمًا:
هل سيظل كل شيء كما هو، أم ستأتي لحظة أجد فيها طريق الخروج من هذا الجحيم؟
كنت أعلم أن الغد سيكون أصعب، وأن المعركة الحقيقية بدأت للتو.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى